المقريزي

317

رسائل المقريزي

وضراء ، يوضئون أطرافهم ، ويأتزرون في أوساطهم ، يصفّون في صلاتهم كما يصفّون في قتالهم ، دويّهم في مساجدهم كدوىّ النّحل يسمع مناديهم في جوّ السّماء » « 1 » . وقال بعض الحكماء لتلامذته : « كونوا كالنّحل في الخلايا » قالوا : « وكيف النّحل في الخلايا ؟ » قال : « إنها لا تترك عندها بطّالا إلّا نفته ، وأقصته عن الخلية ؛ لأنه يضيق المكان ، ويفنى العسل ، ويعلّم النشيط الكسل » « 2 » . وقال الشيخ أبو حامد الغزالي في كتاب « الإحياء » « 3 » : انظر إلى النّحل كيف أوحى الله إليها حتى اتّخذت من الجبال بيوتا ، وكيف استخرجت من لعابها الشمع والعسل ، وجعل أحدهما ضياء ، والآخر شفاء ؛ ثم لو تأمّلت عجائب أمرها في تناولها الأزهار والأنوار ، واحترازها من النجاسات والأقذار ، وطاعتها لواحد من جملتها ، وهو أكبرها شخصيا ، وهو أميرها ؛ ثم ما سخّر الله تعالى لأميرها من العدل والإنصاف بينها حتى أنه ليقتل منها على باب المنفذ كلّ ما وقع منها على نجاسة ، لقضيت من ذلك العجب إن كنت بصيرا في نفسك ، وفارغا من همّ بطنك وفرجك وشهوات نفسك ، في معاداة أقرانك ، وموالاة إخوانك . ثم دع عنك جميع ذلك ، وانظر إلى بنيانها من الشمع ، واختيارها من جميع الأشكال الشكل المسدّس ، فلا تبنى منها مستديرا ، ولا مربّعا ، ولا مخمسا ، إلّا مسدّسا ، لخاصية في شكل المسدس يقصر فهم المهندسين عن درك ذلك ، وهو أنّ أوسع الأشكال وأحواها : المستدير وما يقرب منه . فإنّ المربّع تخرج منه زوايا ضائعة ، وشكل النّحل مستدير ومستطيل ، فترك المربّع حتى لا تبقى الزّوايا فارغة ، ثم لو بناها مستديرة لبقيت خارج البيوت فرج ضائعة ، فإنّ الأشكال المستديرة إذا اجتمعت لم تجتمع متراصّة ، ولا شكل في الأشكال ذوات الزوايا يقرب في

--> ( 1 ) رواه الدارمي في « السنن » في المقدمة ( 1 / 17 ) ، ونحوه عن أبي صالح عن كعب ( 1 / 16 ) ، وذكره الدميري في « حياة الحيوان » ( 8 / 1253 ) . ( 2 ) ذكره الدميري في « حياة الحيوان » ( 8 / 1251 ) وعزاه إلى حكيم من حكماء اليونان ، وكذا القاسمي في « محاسن التأويل » ( 10 / 130 ) . ( 3 ) انظر : في « إحياء علوم الدين » لأبى حامد الغزالي ( 4 / 441 ) ك : التفكر في مخلوقات الله ، وعنه الدميري في « حياة الحيوان » ( 8 / 1251 ) .